عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

133

الارشاد و التطريز

دوام النّظر إلى اللّه سبحانه وتعالى ، حتّى يرتقي العبد من مقام الغافلين إلى مقام المراقبين ، وبدوام المراقبة يرتقي إلى مقام المشاهدين . وأمّا القسم الرابع وهو الصبر عن اللّه : فلا أراه إلا مخصوصا بأهل المشاهدة المحبين ؛ لأنّهم إذا حيل بينهم وبين مشاهدة الجمال بإرخاء الحجاب ، لاقوا في ذلك من العذاب ما لا يلقاه المضطرّ المشرف على الهلاك منّا إذا حيل بينه وبين الطّعام والشراب ، إذ كلّ أحد يتعب لمفارقة أحبّته على مقدار محبّته ، وليس يشبه محبتهم شيء من المحبّات ، ولا محبوبهم شيء من المحبوبات ، فنظرة من جماله تغيّب الناظر « 1 » عن الأكوان ، وتتركه جميع الدّهر سكران ، وليس النّار التي تحرق المحبّين ويخافون منها إلا نار الحجاب التي هي عندهم أشدّ الشدائد ، وإلى شيء من ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد . ويا شوقا إلى حسن بديع * منيع دونه ضرب الرّقاب أرى الأحباب أمسوا قد أباحوا * دماء العاشقين بكلّ باب بلا ذنب ولا جرم جنوه * ولا حقّ حقيق بالعقاب سوى لمح إلى غالي جمال * جميل لاح من تحت النّقاب فلمّا غاب عنهم أحرقتهم * على فقدانه نار الحجاب * وقيل : ضرب بعض المحبّين مائة سوط ، وهو ساكت ، ثم ضرب بعد ذلك سوطا واحدا فصاح ، فقيل له : صبرت على مائة ، ولم تصبر على واحد ! فقال : كنت في المائة مشاهدا للحبيب الذي ضربت من أجله ، وفي الواحد غاب عنّي . أو كما قال . * وأنشد بعضهم : إذا كنت قوت النّفس ثم هجرتها * فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضّب في الماء أو كما * يعيش ببيداء المفاوز حوتها * وأنشد آخر : الصّبر يجمل في المواطن كلّها * إلّا عليك فإنّه لا يجمل

--> ( 1 ) في هامش ( أ ) : وفي نسخة : تغيب الظاهر .